ابن كثير

208

البداية والنهاية

فقال له بعدت بلادك منا ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك . فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره . فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمره عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ( 1 ) ومعه في جنده أبرهة الأشرم فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس وسار إليه ذو نواس في حمير ومن اطاعه من قبائل اليمن . فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمرة ، فأدخله فيها فكان آخر العهد به ودخل أرياط اليمن وملكها ( 2 ) .

--> ( 1 ) أورد الطبري وصية النجاشي إلى أرياط في مسيره إلى اليمن : إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم . وأخرب ثلث بلادهم واسب ثلث نسائهم وأبنائهم . ( 2 ) تناول جواد علي في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 3 / 150 وما بعدها مسألتي علاقة الأحباش باليمن والنصرانية واليهودية في جنوب الجزيرة وأتى على كل الآراء التي أوردها العلماء في ذلك وخلاصاتها : تناول جواد علي في كتابه : تاريخ العرب قبل الاسلام ( ج 3 ص 150 وما يليها ) مسألتي علاقة الأحباش باليمن والنصرانية واليهودية في جنوبي الجزيرة وأتى على كل الآراء التي أوردها العلماء في ذلك بتفصيل كامل ، ونحن نورد خلاصة ذلك فيما يلي : 1 - من العلماء من يذهب إلى أن أصل الأحباش من جنوبي الجزيرة ، هاجروا إلى العدوة الإفريقية لأسباب كثيرة ، منها استيلاء البرثيين على سواحل بلاد العرب الشرقية ، ومن هؤلاء العلماء أدوارد جلازر في كتابه " الأحباش " . 2 - إن لفظ أثيوبيا يوناني معناه الوجه المحترق أو الأسود ، وقد أطلق على أرض الحبشة وعلى مناطق واسعة لا تدخل في الحبشة اليوم تشمل جنوب مصر وسواحل أفريقيا المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي جنوبي بلاد العرب ، وهي تقابل لفظ كوش الوارد في التوراة ، مما يدل على أن الاتصال كان وثيقا من قديم الزمان بين الشعوب التي تسكن هذه النواحي . 3 - إن أصل الأحباش الذين هاجروا من جنوبي جزيرة العرب إلى أفريقية غير معروف . 4 - لا يعرف على وجه التحديد مكان أرض " حبشت " في جزيرة العرب ، والموضع الذي نزلوا فيه أول ما عبروا باب المندب . ويرى هرمل أن الحضارمة القدماء أقرب العرب الجنوبيين إلى الحبش الجنوبيين ، بدليل تقارب اللهجة الحضرمية القديمة المبينة في المسند واللغة الحبشية . 5 - يذهب جلازر إلى أن الحبش هاجروا إلى أفريقية بين سنتي 370 و 378 ميلادية ، ويرى هرمل أن رحلتهم منها كانت سنة 375 ، وكان ذلك في عهد ملكين من ملوك الحبش هما " الاعميدة " وابنه عيزان وكان عيزان يلقب بلقب بملك أكسوم وحمير وريدان والحبشة وسلح وتيماء وصيمو والبجة وقسو . وكان مركز الدولة في أكسوم ، أي أن ما دخل في زمامها من بلاد العرب كان تابعا لها . 6 - وحوالي سنة 378 قام زعيم عربي اسمه " ملك كرب يهأمن " بطرد الأحباش من اليمن وأنشأ ملكا عربيا ، وتلقب بملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات ، وخلفه أبناه أبو كرب أسعد ورا أمر أيمن ، وكانوا يعبدون إلها يسمى ذو سموى أي إله السماء ، ولوحظ أن بلاد اليمن أخذت تسير بعد ذلك نحو ديانة التوحيد . 7 - يرى المستشرقون أن أبا كرب أسعد هو أسعد كامل تبع ، الذي يرى الأخباريون أنه أول من تهود من ملوك اليمن ، وليس لدينا دليل على ذلك ، والثابت أن هذا الملك كان يتعبد لاله يسمى ذو سموت أو إله السماء . 8 - وكانت لهؤلاء الملوك جميعا عناية بمجموعة السدود التي تعرف بسد مأرب ، وأول أخبار نسمعها عن تصدعه حوالي سنة 450 أو 451 ميلادية في عهد الملك شرحبيل يعفر ، فاستعان بالحميرين وقبائل حضرموت لاصلاح الصدوع . 9 - كانت عاصمة سبأ مدينة حتى نهاية القرن الثالث للميلاد ، ثم حلت محلها مدينة ظفار ، ويرى جلازر أن نجم مأرب أخذ في الأفول منذ القرن الأول للميلاد ، وإن سبب هذا هو غزو الحبش لليمن . ويرى هارتمان أن السبب ثورة الهمدانيين على الحميرين وانتصارهم ، ويرى جواد علي أن السبب قد يكون تحول التجارة عن مأرب بسبب تغير طرق التجارة وتأثير الطرق البحرية التي أخذت تنافس الطرق البرية ، وكانت سفن البيزنطيين قد أخذت طريقها في البحر الأحمر " فسلبت من اليمانيين ثروة عظيمة ولم يبق في امكانهم الانفاق على السد لادامته والمحافظة عليه ، وهذا ما اضطر القبائل إلى الهجرة من هذه الجنة التي ولجها الجفاف بالتدريج " ولكن الملوك لم يهجروا مأرب دفعة واحدة ، إذ تدل النصوص على أنهم أقاموا بها أمدا من الوقت بعد ذلك 10 - وآخر ملوك حمير كما يقول الأخباريون هو ذو نواس ( وإن كان بعضهم يذهب إلى أن ابنه ذا جدن خلفه ) وللأخباريين عنه قصص طويل ، وفي أيامه غزا الأحباش اليمن من جديد . ولم تورد النصوص المدونة بالمسند لدى نواس ذكرا ، والنص الذي يحدثنا عن غزو الأحباش لليمن هذه المرة يسمى نص " حصن غراب " وتاريخه سنة 525 بعد الميلاد . 11 - ولا يذكر مؤرخو الرومان أن ملك حمير - عندما غزا الأحباش اليمن - كان يهوديا ويكتفي بروكوبيوس بالقول بأن النجاشي كان نصرانيا ، وبلغه أن الحميرين كانوا يضطهدون النصارى ويعذبونهم ، ولذلك أرسل أسطولا استولى على أرض حمير وأقام عليها ملكا حميريا نصرانيا ، وذكر أن بعض الحميريين كانوا على اليهودية ، أما بقيتهم فكانوا وثنيين على مذهب الهيلينيين . أما الرواية الحبشية فتذهب إلى أن معظم أهل سبأ كانوا وثنيين ، وأن بعضهم كانوا يهودا ، وأن اليهودية دخلت اليمن بعد تشتت اليهود عقب قضاء الرومان على دولة إسرائيل وهم الإمبراطور تيتوس لمعبد سليمان في أورشليم . والمفهوم أن اليهودية دخلت اليمن بعد تشتت اليهود عقب قضاء الرومان على دولة إسرائيل وهم الإمبراطور تيتوس لمعبد سليمان في أورشليم . والمفهوم أن اليهودية دخلت اليمن عن طريق الحجاز . 12 - أما النصرانية فلم تدخل اليمن من طريق واحد ، " وإنما دخلتها من البر والبحر ، دخلتها من البر من ديار الشام فالحجاز فاليمن ، ومن العراق أيضا مع القوافل التجارية المستمرة التي كانت بين اليمن والعراق ، ودخلتها من البحر بواسطة السفن اليونانية والرومانية ، ودخلتها كذلك مع الأحباش الذين تنصروا أيضا في القرن الرابع للميلاد " . 13 - وقد قامت بين اليهودية والنصرانية منافسة في اليمن ، وانتصرت اليهودية بتولي ذي نواس اليهودي العرش ، وتسميه كتابات اليونان والسريان دميانوس ودمنوس . وقد اضطهد ذو نواس النصارى ، فكان ذلك سببا في غزو الأحباش لليمن سنة 525 على ما ذكرناه . 14 - وأقام الأحباش أبرهة الحميري حاكما على اليمن ، وكان نصرانيا . ثم اختلف أبرهة مع النجاشي ، فأرسل هذا الأخير جيشا بقيادة أرياط ليقضي على أبرهة . وتمكن أبرهة من قتل أرياط ثم استرضى النجاشي . وقد ترك لنا أبرهة نصا على درجة كبيرة من الأهمية ، أورده جواد علي كاملا ، يذكر فيه ترميمه لسد مأرب مرتين ، وكان أبرهة نائبا لملك الحبشة ولكنه تلقب بملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابها في النجاد وفي تهامة ، وهو اللقب القديم للملوك حمير المستقلين . وقد عظم شأن أبرهة ووفدت عليه وفود ملك الفرس والمنذر والحارث بن جبلة ورؤساء القبائل . وقد انتشرت المسيحية في اليمن بعد ذلك وبنيت الكنائس الكثيرة وأهمها الكنيسة المعروفة بالقليس ، وتركزت النصرانية بصفة خاصة في نجران على ما هو معروف . 15 - وقد ظل سلطان الأحباش على اليمن حتى ثار عليهم سيف بن ذي يزن وحرر بلاده منهم . واستعان بالفرس ، مما أدى إلى غزوهم اليمن على ما هو معروف .